منذ طفولتي، لم يكن السؤال الذي يقودني هو: ماذا سأصبح عندما أكبر؟
كان سؤالًا مختلفًا تمامًا…
لماذا نتألم؟ ولماذا يولد البعض منا وهو مختلف؟
لماذا يحمل الإنسان جرحًا سنوات طويلة؟ ولماذا يستطيع إنسان آخر أن ينهض من التجربة نفسها أكثر قوة ووعيًا؟ ما الذي يصنع الفرق؟ وما الذي يجعلنا نرى أنفسنا والعالم بالطريقة التي نراها؟
لم أكن أعرف حينها أن هذا السؤال سيقود حياتي كلها.
كل محطة مررت بها، وكل دراسة، وكل تجربة، كانت في الحقيقة محاولة للإجابة عن هذا السؤال الواحد.
درست الكيمياء لأنني كنت أحب أن أفهم كيف تعمل الأشياء. ثم انتقلت إلى عالم تكنولوجيا التعليم، حيث قضيت أكثر من عشرين عامًا أعمل مع الجامعات والمؤسسات التعليمية، وأدرّب المعلمين والقادة على أحدث أساليب التعلم والتقنيات الناشئة، وأتحدث في المؤتمرات، وأشارك في مشاريع تركت أثرها في الإمارات والسعودية وقطر، وأحصل على جوائز أعتز بها لأنها كانت ثمرة شغف حقيقي، لا مجرد إنجاز مهني.
وفي الوقت نفسه، كان هناك شغف آخر يكبر معي بصمت.
شغفي باللغة العربية، والكتابة، والشعر، والأدب. أصدرت ديوانًا شعريًا لأن اللغة بالنسبة لي لم تكن وسيلة للتعبير فقط، بل وسيلة لفهم الإنسان.
ثم جاء الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا، والتعليم… وكلها كانت امتدادًا لشغفي بالتعلم، وبناء أدوات تساعد الإنسان على النمو.
لكن الحقيقة التي أصبحت أراها اليوم بوضوح هي أن كل هذه المسارات، على اختلافها، كانت تقودني إلى المكان نفسه.
فهم التجربة الإنسانية.
قد يبدو للبعض أنني انتقلت من الكيمياء، إلى التعليم، إلى التكنولوجيا، ثم إلى الكوتشينج وعلم النفس.
أما أنا، فلا أشعر أنني غيّرت طريقي يومًا.
أنا كنت أسير في الطريق نفسه طوال الوقت.
الطريق الذي بدأ منذ أن كنت في الثالثة عشرة من عمري، أقرأ فرويد والفلسفة، لا لأنني كنت أبحث عن شهادة، بل لأنني كنت أحاول أن أفهم نفسي.
بعد ذلك درست الإرشاد النفسي، والـNLP، والـExecutive Coaching، والـHypnosis، وغير ذلك من المدارس والنظريات. لكن أكثر ما أثق به اليوم، ليس عدد الشهادات التي حصلت عليها.
بل أن كل أداة أقدمها اليوم، مرّت أولًا عبر حياتي أنا.
لم أتعلمها لأدرّسها.
تعلمتها لأنني كنت بحاجة إليها.
كل فكرة، وكل تمرين، وكل أداة أشاركها مع الآخرين، ساعدتني أولًا على أن أفهم نفسي، وأتعامل مع خوفي، وأهدئ جهازي العصبي، وأعيد بناء علاقتي بذاتي، وأخرج من تجارب شكّلت شخصيتي وغيرتني.
ولهذا، عندما أعمل مع إنسان، فأنا لا أبحث عن حل سريع لمشكلة عابرة.
أنا أبحث عن شيء أعمق بكثير.
أبحث عن أن أساعده في بناء أدوات يعيش بها بقية حياته.
لأنني لا أؤمن بأن التغيير الحقيقي يحدث عندما نسمع فكرة ملهمة.
التغيير الحقيقي يحدث عندما نمتلك أدوات نستطيع العودة إليها مرة بعد مرة، في العمل، وفي العلاقات، وفي التربية، وفي اتخاذ القرار، وفي مواجهة الخوف، وفي الحياة كلها.
الفهم يسبق التغيير.
عندما أتحدث عن الفخامة، فأنا لا أتحدث عن المظاهر.
ولا عن الأشياء التي نملكها.
الفخامة الحقيقية هي أن تعيش حياة لا يستهلكها الصراع الداخلي.
أن تستيقظ وجهازك العصبي يعرف طريقه إلى الاتزان.
أن يكون السلام الداخلي هو الأصل، لا الاستثناء.
أن تعرف نفسك بما يكفي، فلا تعود أسيرًا لصوت النقد، أو للخوف، أو للبرامج القديمة التي كُتبت في طفولتك.
هذه هي الرفاهية التي أؤمن بها.
رفاهية الفكر.
ورفاهية المشاعر.
ورفاهية الروح.
ورفاهية العلاقات.
أن تصبح حياتك أخف، ليس لأن العالم تغير، بل لأنك أصبحت تراه من مكان مختلف.
ولهذا، فإن الفخامة، والارتقاء، والرفاهية ليست بالنسبة لي شعارات.
إنها أسلوب حياة.
اليوم، رسالتي أن أرافق الإنسان، وخاصة المرأة العربية، في رحلة يعود فيها إلى نفسه.
رحلة يفهم فيها جذور ألمه، ويتعلم كيف يتعامل مع جهازه العصبي، ويعيد بناء حديثه الداخلي، ويكتشف أن كثيرًا مما كان يظنه حقيقة، لم يكن إلا قصة قديمة حملها معه سنوات طويلة.
أفعل ذلك من خلال الفيديوهات، والمحاضرات، واللقاءات، والمعسكرات، وبرامج الكوتشينج.
لكنني لا أرى هذه نهاية الطريق.
أراها البداية.
لأن طموحي لا يقف عند تقديم جلسة أو برنامج.
طموحي أن أساهم في بناء ثقافة جديدة، ترى أن الارتقاء الحقيقي يبدأ من الداخل، وأن الرفاهية ليست ما نضيفه إلى حياتنا، بل ما نزيله منها؛ الخوف الذي لم يعد يقودنا، والصراع الذي لم نعد نحتاج إليه، والحديث الداخلي الذي لم يعد يحدد قيمتنا.
هذه هي الرحلة التي اخترت أن أكرّس لها ما تبقى من حياتي.
وإذا اخترت أن تمشي معي جزءًا منها…
فأتمنى أن تجد فيها ما وجدته أنا:
فهمًا أعمق.
وحياة أكثر اتزانًا.
وفخامة لا تُقاس بما تملك…
بل بما أصبحت عليه من الداخل.